عبد الملك الجويني

235

الشامل في أصول الدين

ماسّ جوهرا في جهة من الجهات ، فليس يثبت أحد الجوهرين للثاني حكما . بل كل مختص بحيزه غير مؤثر في الثاني ولا متأثر به . ولذلك جاز تقدير جوهر بين جواهر . والذي ارتضاه الأستاذ منع وقوع جوهر على متصل جوهرين ، ودليله ما قدمناه . ثم إنه فصل بين ما استدل به أبو هاشم وبين الذي فيه الكلام ، فقال : لا يجوز اعتبار الجهات بالجهة الواحدة ، إذ تجوز ملاقاة الجوهر جواهر من جهات ، ولا تجوز ملاقاة جوهرين من جهة واحدة ، فلم يجز اعتباره الجهة بالجهات . وهذه المسألة إنما تصفو عن بسط الكلام في إحاطة الجواهر بالجوهر الواحد . ومما تمسك به النظام أن قال : إذا صورنا شكلا مربعا مستوي الأضلاع ، ثم مددنا خطا من إحدى زاويته إلى الزاوية الأخرى ، وهو الخط الذي يسميه الهندسيون القطر ، وهو أطول خط مستقيم في الشكل . فلو أخذت ذرة في الدبيب ونهجت خط القطر ، ودبت ذرة أخرى من منشأ الخط على ضلعي الشكل ، فتنتهي الذرة السالكة خط القطر إلى الزاوية الأخرى قبل انتهاء الذرة الدابة على الضلعين ، وليس ذلك إلا لطفر صاحبة القطر . وهذا الذي ذكره خروج عن المعقول ، إذ لا يخفى على عاقل أن ضلعي الشكل يزيد بعدهما على بعد خط القطر . ولو نصبنا ضلعي الشكل وقدرناهما مع خط القطر خطين متوازيين ، لانقطع خط القطر قبل انقطاع الآخر . وظهور ذلك بالحس يغني عن كشفه . والذي يكشف الغطاء في ذلك ، أن الذرة التي أمّت القطر تبتدئ دبيبها وتقرب بأول جزء من الدبيب ، والسالكة ضلعي الشكل لا يبين قربها ، ما لم تقطع أحد الضلعين ، وتأخذ في الثاني . فإن التزم النظام ذلك من وجه آخر ، وقال : خط القطر يوازي أجزاء الضلعين ولا يقع التحاذي إلا مع التساوي في الأجزاء . وربما يتمسك بمثل ذلك في النقطة التي في مركز الدائرة ، ويزعم أنها تقابل جملة أجزاء محيط الدائرة . وليس الأمر على ما قدره ، بل النقطة لا توازي من أجزاء المحيط إلا بقدر أجزائها ، وامتحان ذلك واعتباره عند ذوي التحصيل بالخطوط المقدرة . فلو جوزنا خطوطا مستقيمة من أجزاء نقطة المركز على قدر الأجزاء ، لاستوعب منشأ الخطوط النقطة ، ولتضامت أصول الخطوط ، وهي منفرجة غاية الانفراج في متصلها بالمحيطة . فلو قال : ما من جزء من المحيط إلا ويجوز تقدير جزء الخط منه إلى جهة النقطة ، فإذا تصور ذلك في كل جزء من المحيطة عند تقدير الانفراد ، لم يخل القائلون بالجوهر الفرد : إما أن يقولوا : إن جميع أجزاء المحيط تحاذي النقطة ، وإما أن يقولوا : إن النقطة